محمد متولي الشعراوي

2956

تفسير الشعراوى

ويبين الحق لنا أنه إذا أراد أمرا بدقة فهو يحدده بلا تدخل أو خلاف . أما إذا جاء بأمر غير واضح فهو إذن منه سبحانه أن نجتهد فيه لنشعر أن لنا بعض الاختيار في بعض ما تعبدنا اللّه به ، وكله داخل في مرادات اللّه ؛ لأن إيراد النص - شاملا - لكل المفهومات هو إذن بهذا المفهوم وإذن بذلك المفهوم . « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا » . إنّ الوضوء شرع لغير الجنب . أي أنه لمن يحدث حدثا أصغر . وهناك فرق بين إخراج ما ينقض الوضوء وهو ما يؤذى ، وبين إخراج ما يمتع ، فإنزال المنى أو حدوث الجماع يقتضى الطهارة بالاغتسال . ونعلم أن الإنسان حين يستمتع بطعام ؛ أو يستمتع برائحة ، أو بأي شئ هو محدود بوسيلة الاستمتاع به ، أما الاستمتاع بالجماع فلا يعرف أحد بأي عضو أدرك لذته . وهي مسألة معقدة إلى الآن . ولا يعرف أحد كيف تحدث ، مما يدل على أن جميع ذرات التكوين الإنسانى مشتركة فيها . وما دام الأمر كذلك فالطهور يقتضى أن يغسل الإنسان كل جسمه : « وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ » . وقد يقول قائل : أليست « لامَسْتُمُ النِّساءَ » كالجنابة ؟ ونقول : إن الذي يجئ هنا هو حكم ثان يوضح لنا ما ينوب عن المياه ، لأن الحق يرتب لعبادة لا تسقط عن المكلف أبدا ؛ لذلك لن يكلفه بشئ قد لا يجده ، فقد لا يجد الإنسان المياه ، وعليه إذن بالتيمم ؛ لأن الصلاة عبادة لا تسقط أبدا عن المكلف حتى في حالة مرضه الذي لا يستطيع أن يحرك معه أي عضو من جسمه ، هنا يسمح سبحانه للمريض أن يصلى جالسا ، أو مستلقيا أو يصلى بالإيماء برأسه ، أو يصلّى بأهداب عينيه ، وحتى مريض الشلل عليه إجراء خواطر الصلاة وأركانها على قلبه ؛ لأن فرض الصلاة عبادة لا تسقط أبدا عن الإنسان ما دام فيه عقل . إننا نعرف أن الصلاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي يتطلب الاستدامة ، فيكفي المرء أن يقول الشهادة مرة واحدة في العمر ، ويسقط الصوم عن